محمد بن أحمد النهرواني
204
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وكذا من قال : لا تشتغل بهموم القلب مكتئبا * ولا تبيتن إلا خالى البال ما بين غمضة عين وانتباهتها * يغير اللّه من حال إلى حال ولكل شئ سبب من الأسباب ، وعلة يدور عليها التقلب والانقلاب . وكان سبب ضعف خلفاء بنى العباس استيلاء مماليكهم وأمرائهم عليهم ، وتفويض جميع أمور المملكة إليهم وتلقبهم بألقاب السلطان وفرط إدلالهم على موالبهم وامتهانهم غاية الامتهان إلى أن صاروا سمايلا مسميات وصورا هيولانية يتصور فيها بالمحو والإثبات . وصاروا أمراءهم يغثونهم ويغشونهم ويصل أرباب الفرض إلى أغراضهم الفاسدة لما يرشونهم . فأول زال الملك المنتصر باللّه - كان له ولدان أحدهما يسمى بالخفاجى وكان شديد الرأي شجاعا صعب المراس ، والثانبى المعتصم باللّه وكان هينا ضعيف الرأي ، فاختاره الأمير إقبال الشرانى على أخيه الخفاجي ليستبد بالأمور ويستقبل بأحوال الملك ولا يناله مكروه من المعتصم ولا يخشاه كما يخشاه من أخيه الخفاجي . فلما تولى المنتصر باللّه أخفى الأمير إقبال موته نحو عشرين يوما حتى دبر لولاية المستعصم وبويع له بالخلافة وفرّ أخوه إلى العربان وتلاشى أمره . ثم أعظم سبب للزوال أن مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الملك العلقمى صار وزير المستعصم ، وكان رافضيا سيئا مستوليا على المعتصم عدوا لأهل السّنّة ، يدار بهم في الظاهر وينافقهم في الباطن ، وكان يدبر على إزالة الخلافة عن بنى العباس وإعادتها إلى العلويين ، وطمس أنارت أهل السنة وأطفأ نورهم وتقوية أهل البدعة وأبقى ديارهم . فصار يكاتب هولاكو خان ويطمعه في ملك بغداد ويطالعه بأخبار بغداد ، يخبره عن صورة أخذها وضعف الخليفة وانحلال العسكر عنه .